جميل صليبا
247
المعجم الفلسفي
غيره . مثال ذلك : ان العقل يجرد امتداد الجسم من كتلته ، مع أن هاتين الصفتين لا تنفكان عن الجسم في الوجود الخارجي . ومثال ذلك أيضا : إنني أستطيع أن أجرد محيط الدائرة عن سطحها ، فأنظر إلى محيطها تارة وإلى سطحها أخرى ، مع أن لكل دائرة متصورة في الذهن محيطا وسطحا لا ينفكان عنها . قال ( دوغالد استوارت ) : التجريد هو تقسيم ما نصيبه من معان مركبة بغية تبسيط الموضوع الذي نتناوله بالبحث . فليس التجريد إذن تقسيما حقيقيا ، وإنما هو تحليل ذهني . والفرق بينه وبين التحليل ان الفكر ينظر في التحليل إلى جميع صفات الشيء على حد سواء ، في حين أنه لا ينظر في التجريد إلّا إلى صفة واحدة من صفات ذلك الشيء . وقال ( لارو ميغير - ( Laromiguiere : الحواس آلات تجريد ، فالعين تجرد اللون ، والأذن تجرد الصوت الخ . . ومعنى ذلك أن كل حاسة تنتزع صفة من صفات الجسم ، وتأخذها أخذا مجردا عن الصفات الأخرى . وهاهنا فائدة ، وهي أن إدراك الشيء الخارجي ليس إدراكا بسيطا وإنما هو عمل انشائي ، ومعنى ذلك أن إدراك الصفات متقدم على إدراك الشيء ، ونحن إنما نؤلف معنى الشيء من صفاته المدركة بحواسنا إدراكا مباشرا . وإذا قيل إن إدراك معنى الشيء متقدم على إدراك الصفات ، قلنا : لو صح ذلك لأمكن إبطال تصور الشيء بعزل صفاته بعضها عن بعض . وهذا محال . وللتجريد درجات ، فإذا نظرت إلى الورقة التي أمامك ، فانتزعت منها لونها أو شكلها ، كان تجريدك عبارة عن فرز المجتمع في الإدراك الحسي ، وهو أبسط درجات التجريد ، وإذا نظرت إلى اللون عامة ، من دون أن يكون هذا اللون أحمر أو أزرق ، أو نظرت إلى الشكل عامة ، من دون أن يكون هذا الشكل مستطيلا أو مربعا ، لم تقتصر في ذلك على درجة الفرز أو الفرق ، بل تجاوزتها إلى درجة أعلى منها ، ولا تزال ترتقي من تجريد أدنى إلى تجريد أعلى حتى تصل إلى تصور المعاني الكلية والمفاهيم العالية . لذلك